سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
299
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
وما ذلك ببعيد والحوادث التاريخية تؤيده فانظر إلى العثمانيين الذين نهضوا بعد تلك الصدمات القوية « حروب التتار والحروب الصليبية » وساقوا الجيوش إلى أرجاء العالم واتسعت لهم ميادين الفتوحات ودوخوا البلاد وأرغموا أنوف الملوك ودانت لسلطانهم الدول الإفرنجية حتى كان السلطان العثماني يلقب بين الدول « بالسلطان الأكبر » ! ثم ارجع البصر تجد هزة في نفوسهم وحركة في طباعهم أحدثها فيهم ما توعدتهم به الحوادث الأخيرة من رداءة العاقبة وسوء المنقلب حركة سرت في أفكار ذوي البصيرة منهم في أغلب الأنحاء شرقا وغربا ، وتألفت من خيارهم عصبات للحق كتبت على نفسها نصرة العدل والشرع والسعي بغاية الهمة لبث أفكارها وجمع الكلمة المفترقة وضم الشتات المتبددة ، وجعلوا من أصغر أعمالهم نشر جريدة عربية لتصل بما يكتب فيها بين المتباعدين منهم وتنقل إليهم بعض ما يضمره الأجانب لهم ، وإنا نرى عدد « الجمعية الصالحة » [ 1 ] يزداد يوما بعد يوم ، نسأل اللَّه
--> [ 1 ] - إن الذي عناه جمال الدين ب « الجمعية الصالحة ورجالها » في مقاله هذا الذي كتب في باريس سنة 1301 ه وسنة 1884 م هم رجال « تركيا الفتاة » ، وكان السيد قد اجتمع ببعض رجال تلك الجمعية في باريس وأطلعوه على خطتهم وما يحاولونه من إصلاح المملكة العثمانية وجمع كلمة الأمة على النهوض بالملك الإسلامي ، ودرأ المخاطر الأوروبية عن الممالك الإسلامية الشرقية وتنبيه الخواطر الغافلة لما تنويه إنجلترا خصوصا من الشر والكيد للمسلمين فراق ذلك للسيد واستحسنه وشجع القائمين بتلك الفكرة والساعين وراء تلك الغاية الشريفة - التي هي من أسمى أغراض جمال الدين وما يسعى في سبيله ويعمل على تحقيقه . ويرجع تاريخ « جمعية تركيا الفتاة » في أقرب العهد إلى أحرار الأتراك الذين ذهبوا إلى أوروبا مهاجرين مغاضبين في عهد سلطنة المرحوم السلطان عبد العزيز ، وكان على رأسهم والآخذ بنصرتهم مصطفى فاضل باشا المصري ولفيف الأحرار إذ ذاك كان من خيار الفضلاء والمفكرين من الثعمانيين الأتراك ، منهم ضيا باشا المؤرخ والشاعر نامق كمال بك ومحمد بك ونوري بك ورشاد باشا وغيرهم ، ولهذه العصبة مجاهدات جليلة في سبيل إصلاح المملكة ومقالات مؤثرة أبدعوا في تحريرها وتفننوا في وسائل إدخالها حتى كانوا يطبعونها في آخر العهد على أثواب الأقمشة القطنية وغيرها ، ثم توسط نابليون الثالث الأمر بين السلطان عبد العزيز والبرنس مصطفى باشا فاضل ومن معه من الأحرار آخذا موثقا من جلالة السلطان أن يعمل على ما يرومونه من الإصلاح بعد عودتهم إلى الأستانة وقد تمنع الأحرار في بادئ الأمر ولم يقبلوا بالعودة من غير ضمان وثيق ثم عادوا وكان من أمرهم مما يطول شرحه وما هو معلوم عند بقية قدماء الرجال من العثمانيين الباقين في قيد الحياة اليوم وما تركوه في صدور الأخلاف !